علم الاجرام

    علم الاجرام

    الأهمية العملية لعلم الاجرام
    نظرا لأن علم الاجرام يقوم به دارسون من فنون أخرى غير فن القانون فقد اعتبر الكثير أن علم الاجرام مادة غير قانونية ، فرجل الاجتماع مثلا يتحدث لنا عن أسباب الظاهرة الاجرامية ويفسرها أبلغ مما يفعل ذلك رجل القانون . ولو أن هذا الأمر فيه بعض الصحة إلا أنه لا ينبغي أن يحول دون أن يخوض رجل القانون في دراسة اسباب الظاهرة الاجرامية حتى وان بدا له أن دوره فيها هو دور الرجل الثاني أو الثالث ، وذلك راجع إلى أن علم الاجرام مادته هو الانسان وليس كالقانون المدني مثلا الذي ينصب على الذمة المالية ، لذلك كان لزاما على رجل القانون أن يحيط بعلم الاجرام لأنه يعطيه بعدا ثالثا لن يستطيع أن يطبق النص القانوني تطبيقا سليما اذا كان غافلا عن أسباب الظاهرة الاجرامية و أسبابها ودوافعها المختلفة .


    أهمية علم الاجرام العملية : 
    1. يساهم في علاج الجريمة بعد وقوعها 
    2. الأساس الذي يعتمد عليه في تفريد العقوبة تشريعا وقضاء وتنفيذا ، فدراسة الأسباب الفردية للجريمة تؤدي الى معرفة الأسباب التي أدت إلى السلوك الاجرامي وبالتالي الموالمة بين الجريمة وبين العقوبة سواء عند وضع النص القانوني أو عند الحكم أو عند التنفيذ . 

    التفريد التشريعي : التفريد هو اختيار العقوبة الملائمة والمناسبة للمتهم والمشرع عندما يضع النص الجنائي يجب عليه أن يضع في اعتباره التطبيق المرن لهذا النص ولا يجب أن يساوي بين العاقل وفاقد العقل والارادة ، بين الكامل الأهلية والقاصر ، بين من ارتكب الجريمة مع سبق الاصرار وبين من ارتكبها تحت ظروف استثنائية ، لأن المسؤولية الجنائية تتدرج حسب المراحل العمرية للإنسان وإن الشخص قبل سن 12 سنة يكون منعدم الأهلية و في سن 16 يكون ناقص الأهلية وفي سن 18 يكون مكتمل الأهلية ويتحمل مسؤولية تصرفاته ، بخلاف المدرسة الكلاسيكية التي لا تفرق بين قاصر وكامل الأهلية ، بين عاقل و مجنون ، فتقول جريمة واحدة عقوبة واحدة ، هكذا فرق المشرع المغربي مثلا بين مرتكب جريمة القتل مع سبق الإصرار والترصد وبين مرتكب نفس الجريمة تحت تأثير الاستفزاز.



    التفريد القضائي : التمييز بين التفريد التشريعي والتفريد القضائي : التفريد التشريعي يكون أثناء تشريع القوانين أو النصوص الجنائية أما التفريد القضائي فيكون عند تطبيق هذه القواعد القانونية ، التفريد التشريعي يقوم به المشرع مثلا عندما يشرع قوانين أو نصوص تفرق بين العقوبة الموجهة أو المطبقة على كامل الاهلية وناقص الاهلية و بين من لديه نية اجرامية وبين من ليس لديه نية اجرامية أو خطورة اجرامية ، فيقوم به عند سن القوانين فتكون هناك مغايرة واختلاف في تحديد العقوبة لنفس الجرم ، لكن التفريد القضائي يقوم به القاضي نفسه عند تطبيق النص القانوني الجنائي تحت معيار الحد الادنى والاقصى وحسب دراسته النوع الجريمة والشخصية الإجرامية ، ففي القديم في فترة سميت بالفترة السوداء كان القاضي مثل الألة وقد سلبت منه السلطة القضائية فالسلطة التنفيذية هي من تصدر له الأحكام فينطق القاضي بالحكم حسب مكانة الجاني في المجتمع وحسب لونه وعرقه ولغته فيحكم عليه بما شاء وكيفما شاء حيث انعدمت قاعدة لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص .

    التفريد التنفيذي : الجهة المكلفة بتنفيذ العقوبة تلجأ إلى التفريد التنفيذي مراعاة لشخص المحكوم عليه و ظروفه ، عند تصنيف المحكوم عليهم أو تحديد الأعمال التي يمكن أن يقوموا بها أو من يصدر له قرار العفو ومن يتمتع بالإفراج المشروط وماهية الرعاية اللاحقة لشخص المفرج عنه ، ومراعاة المجرم وظروفه شرط أساسي لنجاح الإجراء الذي تتخذه جهة التنفيذ ، السجن ظهر بمثابة مكان لتنفيذ العقوبة والانتقام والزجر والردع من أجل أن لا يعاود المجرم سلوكه الاجرامي ولإعطاء المجتمع رسالة مفادها بأن الشخص الذي يرتكب جريمة يستحق العقوبة و كل من حاول ارتكاب الجريمة فالسجن هو مكانه الطبيعي ، من أجل إعادة التأهيل والاصلاح والادماج ، فالسجن بمثابة طبيب نفسي أو مستشفى للمجرم فالمجرم شخص مريض يحتاج إلى مستشفى وهو السجن .



    علم الاجرام والقانون الجنائي 
    القانون الجنائي هو الذي يحدد فيه المشرع الجرائم والعقوبات المقابلة لها ، فهو يوضح الجريمة كحقيقة قانونية ويصف أركانها وأنواعها ومسؤولية فاعلها ، أي أنه يتخذ طابعا معياريا بحتا ، فيضع المشرع النموذج القانوني للجريمة فيكون هذا النموذج معيارا نقيس به سلوك الأفراد التحديد مسؤوليتهم الجنائية ، أما علم الإجرام بما أنه علم نظري بحت مهمته تقصي اسباب الجريمة فهو يهتم بدراسة الجريمة كظاهرة انسانية واجتماعية ، فهو يدرس الجريمة بما هو كائن بينما القانون الجنائي فهو نظام قانوني و ليس علما فهو يدرس الجريمة حسب ما يجب أن تكون عليه ويضع لها عقوبة في حالة وقوعها.

    تأثير القانون الجنائي على علم الاجرام 
    لا يمكن أن يتقدم علم الاجرام خطورة إلى الأمام دون مساعدة القانون الجنائي الذي يحدد نطاق دراسات علم الاجرام و يزوده بالمادة الأولية الخام لدراسته من خلال إمداده دائما بتعريف الجريمة والمجرم أمام عجز علم الاجرام عن استخلاص مدلول خاص للجريمة والمجرم ، كما أن القضاء الجنائي هو الذي يمد الباحثين وعلماء الاجرام بالمادة الأساسية الأولية الخام التي ينصب عليها أي المجرمين المحكوم بإدانتهم .



    تأثير علم الاجرام على القانون الجنائي 
    علم الاجرام من العلوم المساعدة للقانون الجنائي ، حيث أن أبحاث علم الإجرام والنتائج التي تكشف عنها الدراسات الإجرامية تدفع المشرع إلى إدخال تعديلات جوهرية على سياسة التجريم والعقاب بل وكانت وراء عديد من النظم والمؤسسات القانونية الخاصة بالقانون الجنائي ، كإيقاف التنفيذ والافراج الشرطي ونظرية الظروف والتدابير الوقائية وتصنيف المجرمين والرعاية اللاحقة فهذه الأفكار لم تكن لتأخذ طريقها إلى القانون الجنائي لولا أبحاث علم الاجرام .

    علم الاجرام وقانون المسطرة الجنائية 
    قانون المسطرة الجنائية هو الذي ينظم الخصومة الجنائية منذ نشوء حق الدولة في العقاب أي منذ ارتكاب الجاني لجريمته حتى انتهاء هذه الخصومة بصدور حکم بات في الدعوى ثم تنفيذ الحكم إن كان بالإدانة ، فهو علم قاعدي يرسم به المشرع الحدود الفاصلة بين ضمانة حق الدولة في توقيع العقاب على الجاني وضمانة حقوق المتهم في محاكمة عادلة دون انتهاك لحقوقه الفردية ، ورغم ما يبدو من اختلاف بين مجال علم الاجرام وبين قانون المسطرة الجنائية إلا أن أبحاث علم الاجرام كانت الدافع وراء العديد من النظم القانونية التي تضمنتها الاجراءات الجنائية من ذلك :



    نظام الفحص السابق : 
    وهو أن يقوم القاضي قبل الحكم بالعقوبة بجمع أكبر قدر من المعلومات عن المتهم سواء ما تعلق منها بظروفه الاجتماعية أو حالته النفسية أو البيئية تمهيدا لمعرفة الاسباب الدافعة لارتكاب الجريمة وتحديد الخطورة الكامنة في نفسه ثم بالتالي اختيار العقوبة أو التدبير الملائم للحد من هذه الخطورة وإعادة الإدماج والتأهيل وليكون هذا الفحص دقیقا و فعالا كان لزاما على القاضي أن يستعين برجال التخصص من أطباء و علماء نفس واجتماع ، هذه النظام هو ثمرة من ثمرات أبحاث علم الاجرام ويطبق في عديد من الدول الأروبية .



    نظام قاضي التنفيذ : 
    ظهرت الدعوة إليه في مؤتمرات دولية خاصة مؤتمر برلين سنة 1935 ومؤتمر علم الاجرام في روما سنة 1938، مفاده أن العقوبة كي تؤتي أكلها لا بد أن تراعي شخص المحكوم عليه وظروفه أثناء توقيع العقوبة عليه وهو ما يعرف بالتفريد التنفيذي للعقوبة وترك مثل هذه السلطة للإدارة العقابية دون ما رقابة من القضاء فتكون تحت رقابة قاضي رسمي هو قاضي التنفيذ يتخصص في مرحلة التنفيذ العقابي ويمكن له الافراج عن المجرم قبل انقضاء مدة عقوبته سواء عن طريق الافراج الشرطي أو نهائيا انتقالا من تحقيق وظيفة الردع العام والعدالة إلى وظيفة التأهيل والاصلاح.

    مناهج واساليب البحث في الظاهرة الاجرامية 
    حيث أن زوايا النظر إلى الظاهرة الاجرامية متعددة كان طبيعيا أن تتعدد اساليب البحث عن اسبابها فنظرة الطبيب غير نظرة عالم الاجتماع وهي غير نظرة رجل القانون ، والباحث يجب أن يتجرد من كل فكرة مسبقة حتى يكون بحثه موضوعيا خال من أي حكم مسبق على الظاهرة وأهم اساليب البحث في أسباب الظاهرة الاجرامية :

    1- التجربة : هي العمود الفقري لدراسة الباحثين في العلوم الطبيعية وتقدم أسمى النتائج العلمية لكن الانسان كائن مركب ويصعب إخضاعه لهذه التجارب حيث تمس بحقوقه الادمية والاجتماعية ، فالتجربة على توأمين مثلا تؤدي بنا إلى ظلم أحدهما والزج به في بيئة إجرامية وإخضاعه لتأثيراتها ، كما لا يمكن في العلوم الجنائية تطبيق نتائج التجربة المنصبة على نموذج اجرامي معين انسان معين" على غيره من المتهمين ، على أي يبقى أن الزمان يجود دائما بأمثلة نستطيع من خلالها دراسة الجريمة والمجرم ومن خلال الملاحظة الدقيقة وبعض الدراسات وعقد مقارنات و استعانة بالإحصائيات واستخلاص النتائج يمكن التوصل الى معلومات ثمينة ونتائج يعتد بها علميا وتصلح اساسا لمعطيات راسخة لعلم الاجرام .



    2- الملاحظة : هي أول مراحل المنهج العلمي ، وهي أحد أدوات المنهج الاستقرائي وهي تسبق الجريمة، وتقوم على رصد ومراقبة الظاهرة بهدف استخلاص القاعدة العامة التي تحكمها ، والملاحظة تجري ميدانيا أي المراقبة المباشرة للمجرم بهدف استخلاص القوانين العامة التي تفسر السلوك الاجرامي ، وتلعب الملاحظة دورا قويا في علم الإجرام وتتطلب ملاحظة العينة ثم تسجيل المعلومات ، وتحدث الملاحظة في مواقع طبيعية أو في مختبرات مع وسائل خاصة مع ما يستوجب ذلك من الخبرة والموضوعية في التقدير ، وهناك نوعان من الملاحظة  الملاحظة البسيطة و الملاحظة المنظمة .

    3- الدراسة البيولوجية والنفسية والعقلية : هناك فحص بيولوجي وآخر نفسي عقلي - الفحص البيولوجي : عبر فحص طبي شامل للحالة محل البحث ، فيشمل البحث أوجه الخلل العضوي بجانب فحص الغدد وإجراء الاشعة إلى غير ذلك لمعرفة أي خلل في أجهزة الجسم قد تسبب في حدوث الجريمة وأول من اهتم بهذه الدراسة الايطالي لامبروزو وتبعه آخرون حاولوا ربط السلوك الاجرامي بالخلل العضوي . - الفحص النفسي العقلي : يقصد به دراسة نفسية المجرم وتحديد مقدار ما يتمتع به من ذكاء ومدى اعتدال غرائزه وعواطفه ، هذا البحث يحصل من خلال الاستجواب والملاحظة وإجراء اختبارات الذكاء .



    4- الدراسة الاحصائية : هو أكثر الأساليب شيوعا في الدراسات الاجرامية و يعرف بكونه مجموعة من القواعد العددية حول ظاهرة معينة ، أي التعبير عن الظاهرة بالأرقام ويكشف هذا الأسلوب مدى ارتباط عدد معين من الجرائم بوجود ظروف معينة كالفقر والمهنة والطقس والحالة العائلية والدين والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية . ظهرت أول مرة في فرنسا في القرن 19 وأهم مزايا هذا الاسلوب : - توجيه السياسة الجنائية في مواجهة الظاهرة الاجرامية . تفسر الجريمة بحسب المكان والزمان . اقتراح وسائل المعاملة الأمنية من قبل رجال الأمن .

    النوع والعرق 
    من ناحية النوع : اجرام الرجل واجرام المرأة
    هناك فرق بينهما واضح سواء من حيث الكم أو النوع فمن ناحية الكم إجرام الرجل يفوق إجرام المرأة يقدرها البعض ب 10 اضعاف ، يتأثر بعامل السن فيقل مثلا في سن الاربعين ويزيد خلال الحروب ، أما من ناحية الكيف فتؤكد الاحصائيات أن هناك جرائم تكاد تكون حكرا على المرأة كالدعارة و قتل الوليد و تعريض الاطفال للخطر والاجهاض والخيانة الزوجية والقتل عن طريق التسميم ، كما يلاحظ اقدام المرأة على الجرائم المعتمدة على الحيلة أكثر من الجرائم التي تتطلب مجهودا عضليا كالسرقة من المحلات التجارية والزنا والقوادة والنصب وخيانة الأمانة والقتل بالسم بينما تقل لديهن جرام القتل بالعنف والضرب والجرح والسرقة المشددة والجرائم الضارة بالمصلحة العامة التي تعتبر جرائم ذكورية .



    أولا : اختلاف إجرام الرجل عن اجرام المرأة
    فوارق ظاهرية خاضعة، هناك تبريرات كثيرة ، منها ما هو بيولوجي ، نفسي ، أو اجتماعي ، لكن هناك من قال أن هذا الفارق هو ظاهري يرجع إلى أن الأجرام الرسمي للمرأة كما تكشف عنه الاحصائيات لا يتطابق مع العدد الفعلي لجرائمها و الاحصائيات الرسمية كما يشير لامبروزو في مؤلفه "المرأة المجرمة والدعارة" أن الميول الإجرامية عند النساء تتجه نحو الدعارة والبغاء مما يدر عليها أموالا لا يستطيع الرجل الحصول عليها إلا بالوسائل غير المشروعة والكثير من الدول لا تعتبر الدعارة جريمة لذلك لو أضيف عدد ممارسات الدعارة إلى قائمة الاجرام عند النساء لربما زاد إجرام المرأة على الرجل ، كما أن هناك العديد من جرائم النساء لا يظهر ويتم في الخفاء كالإجهاض والزنا عكس إجرام الرجل الذي يظهر للعيان في الاحصائيات .
    Nouredine Elaasri
    @مرسلة بواسطة
    مصمم موقع الحقوق بالعربية .

    إرسال تعليق